حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
246
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
المنافع فيها ولهذا جعلا تمام المقصود منها ، فكأنما أعطى الأكثر والمعظم حكم الكل . واقتضاء الحصر في قوله : وَمِنْها تَأْكُلُونَ ممنوع بل لعل الظرف قدم لرعاية الفاصلة . ثم إن أنواع الغرائب والعجائب المخلوقة في هذا العالم لا حد لها ولا حصر فلهذا أشار إلى ما بقي منها على سبيل الإجمال فقال : وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ أي كنهه وتفاصيله بل نوعه وجنسه فإن مركبات العالم السفلي وغرائب العالم العلوي لا يعلمها إلا موجدها . روى عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال : إن عن يمين العرش نهرا من نور مثل السماوات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة ، يدخل فيه جبرائيل عليه السلام كل سحر ويغتسل فيزداد نورا إلى نوره وجمالا إلى جماله ، ثم ينتفض فيخلق اللّه تعالى من كل نقطة تقع من رأسه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور ، وفي الكعبة أيضا سبعون ألفا ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة . وقيل : المراد ما خلق في الجنة والنار مما لم يبلغه فهم أحد ولا وهمه . ولما ذكر بعض دلائل التوحيد بين أنه إنما ذكرها إزاحة للعذر وإزالة للشبهة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فقال : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ذكر صاحب الكشاف أن السبيل للجنس والقصد مصدر بمعنى الفاعل يقال : قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه ، والجور الميل عن الاستقامة . احتجت المعتزلة بالآية على مسألتين من أصولهم : إحداهما أنه يجب على اللّه تعالى الإرشاد والهداية لأن كلمة ، « على » للوجوب والمضاف محذوف أي وعلى اللّه بيان قصد السبيل ؛ فالمعنى أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه . والثانية أنه لا يضل أحدا ولا يغويه وإلا لقيل وعلى اللّه قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر فلما غير أسلوب الكلام قائلا . وَمِنْها جائِرٌ دل على أنه أراد أن يبين ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز . والجواب عن الأول بعد تسليم إفادة كلمة « على » الوجوب أنه وجوب بحسب الفضل والكرم لا بمعنى استحقاق الذم على الترك . وعن الثاني أن دلالة قوله : وَمِنْها جائِرٌ على ما ذكرتم ليست دلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام ، لأن قول القائل « من السبيل سبل منحرفة » لا يفيد إلا الإخبار بوجود الانحراف في بعض السبل ، فأما أن فاعل تلك السبيل من هو فلا دلالة للكلام عليه أصلا على أن قوله : وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ يناقض ما ادعيتم . وتفسير المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر أو بالهداية إلى الجنة خلاف الظاهر كما مر مرارا . ولما استدل على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال : هُوَ